ابن العربي

506

أحكام القرآن

المسألة الرابعة - شُهَداءَ لِلَّهِ : كونوا ممن يؤدّى الشهادة للّه ولوجهه ، فيبادر بها قبل أن يسألها ، ويقول الحقّ فيها ، وإن اللّه يشهد بالحق ، والملائكة وأولو العلم وعدول الأمة ، وكلّ من قام بالقسط فقد شهد للّه سبحانه بالحق ، وكل من قام للّه فقد شهد بالقسط ، ولهذا نزلت الآية الأخرى في المائدة بمقلوب هذا النظم « 1 » ، وهو مثله في المعنى كما بينّاه آنفا . المسألة الخامسة والسادسة - قوله تعالى : وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ : أمر اللّه سبحانه العبد بأن يشهد على نفسه بالحقّ ، ويسمى الإقرار على نفسه شهادة ، كما تسمّى الشهادة على الغير الإقرار . وفي حديث ماعز : فلم يرجمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أقرّ على نفسه أربع مرات ، ولا يبالي المرء أن يقول الحقّ على نفسه للّه جلّ وعلا فاللّه يفتح له « 2 » . قال اللّه سبحانه « 3 » : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، إلا أنه في باب الحدود ندب إلى أن يستر على نفسه فيتوب حتى يحكم اللّه له ؛ بل إنه يجوز أن يقر على نفسه بالحدّ إذا رأى غيره قد ابتلى به وهو صاحبه ، فيشهد على نفسه ليخلّصه ويبرئه . روى أبو داود والنسائي عن الحلاج أنه كان يعمل في السوق فرمت امرأة صبيا . قال : فثار الناس وثرت فيمن ثار ، فانتهيت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقول : من أبو هذا معك ؟ فقال فتى حذاءها : أنا أبوه يا رسول اللّه . فأقبل عليها فقال : من أبو هذا معك ؟ فسكتت . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنها حديثة السنّ حديثة عهد بحزن ، وليست تكلّمك ، أنا أبوه ؛ فنظر إلى بعض أصحابه كأنه يسألهم عنه ، فقالوا : ما علمنا إلا خيرا . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أحصنت . قال : نعم ، فأمر به فرجم . قال : فخرجنا فحفرنا له حتى أمكناه ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ محتضرا . المسألة السابعة - قوله تعالى : أَوِ الْوالِدَيْنِ : أمر اللّه سبحانه بالشهادة بالحقّ على الوالدين الأب والأم ، وذلك دليل على أنّ شهادة

--> ( 1 ) آية 8 : للّه شهداء . ( 2 ) في ا : ويفتح اللّه ومن يتق اللّه . والمثبت من ل . ( 3 ) سورة الطلاق ، آية 3